صديق الحسيني القنوجي البخاري
282
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ المراد بالقوم الذين وعد اللّه سبحانه بالاتيان بهم هم أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة ، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن ، قال بعض الصحابة ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة . ولما همّ أبو بكر بقتالهم كره ذلك بعض الصحابة وقال بعضهم هم أهل القبلة ، فتقلّد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره ، فقال ابن مسعود : كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه في الانتهاء . وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال : تليت عند النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم قومك يا أبا موسى أهل اليمن ، وفي الباب روايات . وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جابر بن عبد اللّه قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ الآية فقال : هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب . وعن ابن عباس هم أهل القادسية ، وقال السدي نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأعانوه على إظهار الدين ، والأول أولى . ثم وصف اللّه سبحانه هؤلاء القوم بالأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المديح ونهاية الثناء فقال : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ من كونهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ وهذه من صفات الذين اصطفاهم اللّه يعني أنهم أرقاء رحماء لأهل دينهم ، أشداء أقوياء غلظاء على أعدائهم ، قاله علي ، قال ابن عباس : تراهم كالولد لوالده وكالعبد لسيده ، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته . قال ابن الأنباري : أثنى اللّه عليهم بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم ، ويعنفون الكافرين إذا لقوهم ، ولم يرد ذلك الهوان بل الشفقة والرحمة ، وإنما أتى بلفظة ( على ) ليدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، والأذلة جمع ذليل لا ذلول ، والأعزة جمع عزيز أي يظهرون الحنوّ والعطف والتواضع للمؤمنين ، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين . يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ عذل عاذل في نصرهم الدين أي يجمعون بين المجاهدة في سبيل اللّه وعدم خوف الملامة في الدين ، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوىء ومناقبهم مثالب حسدا وبغضا وكراهة للحق وأهله . والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى ما تقدم من الصفات التي اختصهم اللّه بها فَضْلُ اللَّهِ أي لطفه وإحسانه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل وكثير الفضائل عَلِيمٌ بمن هو أهلها .